محمد طاهر الكردي

184

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

أما المساجد الشرقية العجيبة فكثير منّا رآها رأي العين ، على أننا لو أردنا الكتابة عن المساجد المهمة العظيمة في البلاد الإسلامية لاقتضى أن نطوف بها مدة من الزمن ثم نكتب عنها مجلدات . عدد منارات المسجد الحرام سابقا لم تكن المنارات في المساجد معروفة في صدر الإسلام ، لبساطة بناء المساجد والمنازل ، وكون سقوفها من الخشب أو جريد النخل ، شأنها شأن المنابر ، حيث كانوا يخطبون على الأرض قياما ، فكانوا يؤذنون للصلاة فوق سطح المساجد أو على أبوابها ، وقد أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلالا أن يؤذن بالظهر ، فوق ظهر الكعبة ، يوم فتح مكة ، وقريش فوق رؤوس الجبال . فإن المسجد كان يومئذ على قدر المطاف ، وليس له جدار يحيط به ، وليس فيه منارة أو منبر ، ثم بمرور الزمن تطور الناس فاخترعوا المنارات الباسقات والمنابر الرشيقات ، بل صاروا الآن يطيرون في الهواء ويجرون على الماء ، ويريدون الوصول إلى كواكب السماء ، واخترعوا من الأمور ما لم يخطر في عقول الأمم السابقة . والمنارات والمنابر تختلف أشكالها وصورها في جميع بلاد الإسلام ، وبتطور الناس وتقدمهم في الصناعات تأخذ صورها في الإتقان وجمال الشكل وقوة البناء ، كما هو ظاهر في عصرنا الحاضر ، وكانت المنارات في قديم الزمان بسيطة البناء تمتاز فقط بعلوها وارتفاعها عن المساجد ليسمع الناس صوت المؤذن . ولنتكلم هنا أولا عن المنارات التي كانت في المسجد الحرام ، زمن الإمام الأزرقي ، الذي كان في أوائل القرن الثالث الهجري ، ثم لنتكلم عن مناراته في عصرنا الحاضر قبل التوسعة السعودية ، فنقول وباللّه التوفيق ومنه المعونة والسداد : قال الأزرقي في تاريخه : وفي المسجد الحرام أربع منارات ، يؤذن فيها مؤذنوا المسجد ، وهي في زوايا المسجد على سطحه يرتقى إليها بدرج ، وعلى كل منارة باب يغلق عليها شارع في المسجد الحرام ، وعلى رؤوس المنارات شراف . 1 ) فأولها المنارة ، التي تلي باب بني سهم ، تشرف على دار عمرو بن العاص وفيها يؤذن صاحب الوقت بمكة . 2 ) والمنارة الثانية تلي أجياد ، تشرف على الحزورة وسوق الخياطين ، وفيها يسحر المؤذن في شهر رمضان .